تشهد السوق العالمية للأخشاب B2B مرحلة جديدة من عدم اليقين، عقب الإعلان عن مراجعة استراتيجية كبرى في أمريكا الجنوبية. فقد شرعت شركة ACON Timber، وهي المشروع المشترك الأرجنتيني الذي يجمع بين المجموعة النمساوية HS Timber Group والشركة البلجيكية Forestcape، في إعادة النظر في المرحلة المقبلة من توسيع منشرتها في فيراسورو، بمقاطعة كورّينتيس. والسبب في ذلك يعود إلى تكاليف لوجستية وتصديرية أعلى بكثير من التوقعات الأولية. وعلى الرغم من أن هذا القرار يخص موقعاً يبعد آلاف الكيلومترات عن المملكة، فإنه يستحق اهتمام المستوردين والمحوّلين المغاربة، لكونه يعكس التوترات البنيوية التي تعتري اليوم سلاسل التوريد العالمية للأخشاب الصنوبرية.
السوق العالمية للأخشاب B2B: تعليق مؤقت لتوسع HS Timber Group في الأرجنتين
كان من المفترض أن يشهد موقع فيراسورو، أحد أكبر مجمعات نشر الأخشاب الصنوبرية في أمريكا اللاتينية، مرحلة صناعية جديدة في إطار استراتيجية التنويع الجغرافي لمجموعة HS Timber Group. فالمجموعة النمساوية، الحاضرة أصلاً في وسط وشرق أوروبا عبر عدة وحدات للتحويل، راهنت على الأرجنتين لتأمين وصول مباشر إلى غابات الصنوبر بأمريكا الجنوبية، وخدمة أسواق التصدير نحو أمريكا الشمالية وآسيا.
وحسب المعلومات التي أوردها الاتحاد المهني النمساوي Fachverband der Holzindustrie Österreichs، فإن الأعباء اللوجستية الإضافية المسجلة على ممرات التصدير الأرجنتينية تضع علامات استفهام حول ربحية المرحلة الاستثمارية المقبلة. ويبدو أن النقل البري نحو الموانئ، والتأخيرات المينائية، وارتفاع تكاليف الشحن البحري، قد أضرّت بشكل ملموس بالهوامش المتوقعة لهذا المشروع التوسعي.
ولا يُعدّ هذا الوضع حالة معزولة، بل يعكس اتجاهاً أوسع يُلاحَظ في سوق تجارة واستيراد الأخشاب: إذ يعيد الصناعيون بشكل منهجي تقييم خططهم الاستثمارية كلما تجاوزت تكاليف النقل عتبة حرجة مقارنة بسعر البيع النهائي للخشب المنشور.
الأثر المحتمل على مستوردي الأخشاب المغاربة
بالنسبة للمهنيين المغاربة في القطاع، يشكل هذا الخبر الأرجنتيني مؤشراً استباقياً. فالمغرب يستورد جزءاً كبيراً من احتياجاته من الأخشاب الصنوبرية من شمال أوروبا وروسيا، وحديثاً من بعض الأسواق الجنوب أمريكية الناشئة في إطار التنويع. وأي اضطراب في هيكلة العرض العالمي ينعكس، بعد فارق زمني يمتد لبضعة أشهر، على أسعار استيراد الأخشاب المرصودة في ميناء الدار البيضاء أو ميناء طنجة المتوسط.
ويتابع التجار المغاربة عن كثب تطور التكاليف اللوجستية الدولية، لأنها تحدد بشكل مباشر تنافسية مصادر التموين البديلة مقارنة بالموردين الأوروبيين التقليديين. فإذا قررت HS Timber Group تباطؤ وتيرة توسعها في الأرجنتين، فقد تظل الكميات المتاحة للتصدير من أمريكا الجنوبية محدودة، مما يحد من مصدر تنويع كان بعض المستوردين المغاربة قد بدأوا في استكشافه للحد من اعتمادهم على القنوات الأوروبية التقليدية.
كما تظل العمليات الجمركية مؤطرة محلياً من قبل إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة (ADII)، وميسّرة عبر منصة PortNet التي تركز إجراءات الاستيراد الخاصة بجميع المواد، بما فيها الأخشاب الخام والمحولة. غير أن هذا الطابع الرقمي للمساطر لا يعوّض التقلبات البنيوية في الشحن البحري الدولي، والتي تبقى العامل الرئيسي لتذبذب الأسعار بالنسبة للفاعلين في تجارة الأخشاب بالمغرب.
آفاق قطاع الأخشاب والتجارة في المغرب
على المدى القصير، لا يُتوقع أن يشعر صناع الأثاث والنجارون المغاربة بأثر مباشر لهذه المراجعة الأرجنتينية. غير أن هذا الخبر يعكس ديناميكية ينبغي على مهنيي صناعة الأخشاب بالمغرب أخذها بعين الاعتبار في استراتيجياتهم الشرائية: فتأمين التموين بالمواد لم يعد بالإمكان أن يعتمد على حوض إنتاج واحد فقط.
ومن مصلحة الموزعين ومناشر الخشب المغاربة تنويع مصادر تموينهم، من خلال مراقبة مستمرة لتطورات السوق الاسكندنافية، وأسواق البلقان، وروسيا، والأحواض الجنوب أمريكية الناشئة في آن واحد. وهذه اليقظة الاستباقية، التي تتناولها بانتظام تحليلات السوق والأسعار في Bois360، تتيح استباق التوترات في الأسعار بدلاً من التعرض لها بشكل مفاجئ.
كما تُذكّر حالة فيراسورو بأن الاستثمارات الصناعية الثقيلة في القطاع الغابوي تظل حساسة للغاية تجاه البنيات التحتية اللوجستية المحلية. وبالنسبة للفاعلين المغاربة الذين يفكرون في إقامة شراكات مباشرة مع مناشر أجنبية، يشكل هذا الخبر إشارة مفيدة: فجودة الخشب وحدها لا تكفي، إذ إن موثوقية وتكلفة النقل حتى ميناء الشحن تزنان بنفس القدر في المعادلة الاقتصادية النهائية.
وفي سياق تستمر فيه السوق العالمية للأخشاب B2B في إعادة تشكيل نفسها تحت تأثير تكاليف الطاقة، وضغوط الشحن، وتعديلات الطاقة الإنتاجية الصناعية، يبقى من مصلحة الفاعلين المغاربة في التحويل والتجارة تعزيز يقظتهم القطاعية وتنويع قنوات تموينهم بحذر خلال الفصول المقبلة.

